لا استغرب قيام الثورة الفرنسية وغيرها كالأمريكية وإعلان الإتحاد السوفييتي للمطالبة بتعزيز حقوق الإنسان ودحض الطبقية والتخلص من العبودية ، وعدم استغرابي هذا ناشئ عن جزمي بأن كل ما ابتعد عن الدين الإلهي سيبقى ناقصاً ، وستشوبه الكثير من المشاكل ..
وعلى الرغم من انتشار المذاهب المسيحية في فرنسا وانجلترا وغيرهما من دول أوروبا ، الا انها مليئة بالنواقص كذلك جراء لتحريف الناجم عن الصراع بين اليهود والمسيحيين الحقيين اتباع المسيح عليه السلام ..
لن اتكلم هنا عن الإسلام الذي هو دين الله الحق ، الذي قرر الحقوق منذ بداياته ، وان كانت توجد طبقية وتمييز في عصرنا الحالية في دولنا الإسلامية ، هذا لوجود الخلل في التطبيق للأحكام ..
نظراً لتركيز هذه الفترة على المفكر جان جاك روسو وارتباطه بالثورة الفرنسية - وان لم يكن عنه الكلام الكثير هنا - ، فسأورد هنا ما درسته من قبل عن اساس هذه الثورة التي يعتبرونها المثل الأعلى في الروابط الإنسانية ، و قمة الحضارة
إن حقوق الإنسان كفكرة ،لم تظهر جزئياً بشكل رسمي ، إلا في القرن الثالث عشر الميلادي – الموافق للقرن السابع الهجري ، أي : بعد نزول الإسلام بسبعة قرون – وذلك نتيجة ثورات طبقيّة وشعبية في أوربا ، ثم في القرن الثامن عشر في أمريكا ، لمقاومة التمييز الطبقي ، أو التسلط السياسي ، أو الظلم الاجتماعي .
أما حقوق الإنسان نظاماً وتشريعاً ، فلم تظهر إلا مع الثورة الفرنسية . ومناداة كُتَّاب الثورة بذلك ، مثل : (جان جاك روسو ) ، صاحب كتاب : "العقد الاجتماعي" ، و(مونتسكيو) ، و(ديدرو) ... وغيرهم . وقد صدر في الرابع من شهر آب ، عام (1789م) وثيقة حقوق الإنسان والمواطن ، وكان ذلك ردّ فعل للمخازي المؤلمة في العهود البائدة ؛ في عصر الاضطهاد الديني ، وامتهان الحريات الشخصية ، ومصادرة الأموال ، وغيرها .
وبدأت الوثيقة بعبارة : "يُولد الناس أحراراً ومتساوين في الحقوق" وقد تضمنتْ عدّةً من الحقوق ، كتقرير : المساواة ؛ وصيانة الفرد وسلامته ؛ واحترام الملكية ؛ وأنه لا يجوز الاستملاك إلا للضرورة العامة ، ولقاء تعويض عادل ؛ وأن الأصل براءة الذمة ؛ ولا يجوز التجريم والحكم إلاّ بقانون ؛ وضرورة المحافظة على حقوق الإنسان الطبيعية ، وهي : الحرية ، والملك ، والأمن ؛ ومقاومة الاضطهاد ؛ وحق الشعب في محاربة الظلم والاستبداد ، كما شمل هذا الإعلان حقوقاً أخرى . ولقد حرص الفرنسيون على هذا الإعلان ، ووضعوه في مقدمة الدستور الفرنسي الصادر في الثالث من أيلول عام (1791م) .
لكن الثورة الفرنسية التي اتخذت مبادئها من أفكار الفلاسفة: "جان جاك روسو" و"فولتير" و"مونتسكيه"، ورفعت عبارة: (الحرية – الإخاء – المساواة) كشعار لها، لم تلتزم بهذا الشعار سواء على صعيد الداخل الفرنسي إبان الثورة أو على صعيد سياسة حكومتها الخارجية فيما بعد.
فعلى الصعيد الداخلي الفرنسي يقول "سيرجو بوسكيرو" رئيس الحركة الملكية الإيطالية: إن الثورة الفرنسية بحق قامت بأكبر مجزرة في التاريخ أو على الأقل في الشعب الفرنسي، حيث قتلت 300 ألف فلاح، وهي بذلك تعد منبع الإرهاب العالمي؛ إذ ولدت "ظاهرة الإرهاب" من الثورة الفرنسية.
أما على صعيد السياسة الخارجية التي انتهجتها حكومات الثورة الفرنسية فقد جاءت متناقضة تمامًا مع ما أعلنته الثروة من مبادئ (الحرية والإخاء والمساواة) وبخاصة فيما يتعلق بشعوب آسيا وإفريقيا التي استعمرتها والتي تعاملت معها بمنطق السيد والعبد. ولم تمضِ فترة وجيزة من الزمن حتى جاءت الحملة الفرنسية على مصر عام (1213هـ = 1789م)، ثم بعدها بفترة جاء الاحتلال الفرنسي للجزائر والمغرب وتونس وغيرها من المناطق في آسيا وإفريقيا.
ومما يؤكد أسطورية المبادئ التي رفعتها الثورة الفرنسية من الحرية والإخاء والمساواة إلقاء نظرة سريعة على بعض أفكار الفيلسوف الفرنسي "مونتسكيه" الذي قامت الثورة على مبادئه وأفكاره،
وفي ذلك تقول الدكتورة "زينب عصمت راشد" أستاذة التاريخ الحديث بجامعة عين شمس: إنه ليؤسفنا حقًا أن ينخدع العالم بوجود مفكرين راشدين بين من زعموا أنهم ثاروا لدعوة الحق والحرية والعدالة والإخاء والمساواة، وفيهم من استحل ظلم الإنسان لأخيه الإنسان لا لشيء سوى بشرته. ويعد مونتسكيه أشهر الأمثلة على ذلك، وهو من أئمة التشريع في الثورة الفرنسية، وصاحب كتاب "روح القوانين"، إذ يقول في تبرير استرقاق البيض للسود كلامًا لا يمكن صدوره من عقل مفكر، يقول مونتسكيه في بعض عباراته: "لو طلب مني تبرير حقنا المكتسب في استرقاق السود لقلت إن شعوب أوروبا بعد أن أفنت سكان أمريكا الأصليين لم تر بدًا من استرقاق السود في إفريقيا لتسخيرهم في استغلال تلك البقاع الواسعة، ولولا استغلالهم في زراعة هذه الأرض للحصول على السكر لارتفع ثمنه"
وتمضي د. زينب قائلة: يقول مونتسكيه مبررًا جرائم الاستعمار الأوروبي ما يأتي: "أولئك الذين سخروا في هذا العمل ليسوا غير أقوام من السود، فطس الأنوف لا يستحقون شيئًا من رحمة أو رشاد".
ويقول: "إنه لا يتصور مطلقًا أن الله بحكمته السامية قد وضع في تلك الكائنات السود أرواحًا يمكن أن تكون طيبة".
تصريحات المفكر الأعلى بنفسه اكبر دليل على استغلال المطالبة بالحقوق لمصالح مادية شخصية