من الإشكاليات التي يرى العديد من الباحثين اللغويين العرب والمستشرقين أن لعتنا العربية تعاني منها وتحول دون تطورها وتكيفها مع العصر والعلم الكم الهائل لمفرداتها الذي ربما لا مثيل له في أي لغة من لغات العالم الكبرى، أو قل لربما تعد لغتنا هي واحدة من لغات العالم التي تتصدر قائمة أكثر اللغات في عدد مفرداتها لا سيما بالنظر إلى ما تملكه من كنز ثري في عدد المفردات المترادفة، حتى لا تكاد مفردة عربية تخلو من عدة كلمات رديفة لها تؤدي المعنى نفسه كما أن بعض هؤلاء الباحثين والمستشرقين لم يتوان عن الاجتهاد في تفسير هذه الظاهرة بإرجاع جذورها تاريخياً إلى الأدب والثقافة العربية القديمة المتمثلة في الشعر العربي، حيث ينزع الشعراء العرب منذ ما قبل الإسلام إلى الإفراط في توظيف الكلمات المترادفة لإضفاء سحر البيان وقوة الإبداع على قصائدهم، وان هذه العادة النزعة ظلت مستحكمة في أساليبهم الكتابية إلى يومنا هذا حتى مع ما مرت به الثقافة العربية من مراحل التطور إلى ما بلغته في وضعها الراهن.
ويضيفون لتأكيد هذه الفرضية أنه مازال الكتاب العرب يميلون إلى هذا الإطناب واستخدام المترادفات في بحوثهم ومقالاتهم حتى لو كانت الفكرة يمكن إيصالها إلى المتلقي من دون الحاجة دائماً إلى استخدام تلك المترادفات بكثرة.
ومع أن هذه الفرضية التي يطرحها نفر من الباحثين اللغويين العرب والمستشرقين بخاصة المستعربون منهم لا تخلو من الوجاهة إلا أن من الأهمية الحذر والتنبه إلى عدم التسليم بهذه الفرضية على عواهنها بالمطلق، ذلك أن كثيراً من هذه المفردات المترادفة ليست متطابقة في معانيها تطابقاً تماماً وإن تشابهت في المعنى، والشواهد على ذلك عديدة أكثر مما يتسع ضرب المثل عليها في هذه العجالة، لكن نكتفي هنا بالإشارة إلى مفردة مثل “النوم” ولها عدة مترادفات: الإغفاء، والنعاس، والوسن والهجوع والسبات، فليست كلها هنا تعني النوم كحالة واحدة بل هي درجات أو مراحل من تدرج الاستغراق في النوم.
وبهذا المعنى فإن لغتنا العربية هي واحدة من لغات العالم الفريدة في ثرائها بالمفردات المترادفة الدالة على تعدد المعنى الواحد غير المغلق على معنى محدد الذي لا يدل على تعدد الحالات والأشكال للشيء الواحد الذي يراد تفسيره أو شرحه.
ومن رزايا محنة لغتنا العربية أن معظم الكتاب والمثقفين والمبدعين يتجنبون استخدام الكثير من المفردات التي يتوهمون أنها عامية غير فصحى بينما هي من صميم الفصحى أو يجهلون مفردات فصحى مطمورة في المعاجم وكتب التراث رغم أنها أكثر قدرة على التعبير وأكثر مناسبة من المفردات التي يصرون على استخدامها بابتذال أو يستبدلونها بكلمات أجنبية دخيلة.
ولأننا نمر بحالة ارتداد حضارية شاملة في مختلف المجالات من ضمنها تدهور الحياة الثقافية والعلمية فلا توجد بحوث معمقة لدراسة الأسباب والعوامل التي أفضت إلى انقراض تلك المترادفات أو الكلمات الأكثر غنى من المفردات الأعجمية الدخيلة واستشراف العوامل التي من شأنها احياء هذه الكلمات المنقرضة.
لا بل ربما نكون نحن العرب من الأمم القليلة التي لا توجد لديها احصائية جامعة مانعة لعدد مفردات لغتها القديمة والجديدة، وعلى العكس من هذه الحالة فإنه في ربيع عام 2006 نشر تقرير صحافي مفاده أن مركز مراقبة اللغات العالمية في سان دييجو بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة يتوقع أن يصل عدد مفردات اللغة الانجليزية إلى مليون كلمة تقريباً وان الكلمات الحالية المتداولة في هذه اللغة 988968 كلمة، وذلك استناداً إلى ما يقوم به هذا المركز من رصد احصائي منتظم للمفردات الانجليزية المتداولة في وسائل الاعلام المكتوبة والمقروءة والمسموعة.
أما معدل الكلمات التي يحفظها المثقف في بلد يتحدث الانجليزية فهو ما بين 24 ألف كلمة و30 ألف كلمة، وأن الفرد يمكنه تدبير أمره بمجرد حفظه ثلاثة آلاف كلمة.
فأين نحن من هذا المركز لا لمراقبة اللغات العالمية ومن ضمنها الانجليزية فحسب بل لو بإقامة مركز قومي واحد يختص بإحصاء ما أمكن من مفردات عربية متداولة مقابل مفردات جديرة بمواراتها التراب أو بقائها على حالها في هجوعها الخالد ببطون كتب التراث، ومفردات سهلة وبليغة ومناسبة للتداول المعاصر لكنها مطمورة ولا تجد من ينقب عنها في مناجم اللغة ويخرجها إلى النور وسبل تداولها وتعميمها؟