( إن الله يقول: إن الصَّوْم لي ) أي لا يُتَعَبَّد به أحدٌ غيري، أو هو سرٌ بيني وبين عبدي، ( وأنا أجزي به ) صاحبه بأن أضاعف له الجزاء من غير عدد ولا حساب ( إن للصائم فرحتين إذا أفطر فرح ) قَالَ القاضي: ثواب الصائم لا يُقَدِر قَدره ولا يَقْدِر على إحصائه إلا الله، لذلك يتولى جزاءه بنفسه ولا يكله إلى ملائكته، والموجب لاختصاص الصَّوْم بهذا الفضل أمران: أحدهما: أن جميع العبادة مما يطَلِع عليه العباد والصوم سرٌ بينه وبين الله يفعله خالصاً لوجهه ويُعامله به طالباً لرضاه، الثاني: أن جميع الحسنات راجعةٌ إلى صرف المال فيما فيه رضاه والصوم يتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقص والتحول مع مَا فيه من الصبر على مضض الجوع وحرقة العطش، فبينه وبينهما أمدٌ بعيد لخلوصه لله، أو بتوفيق الله له أو صومه وعونه، ويحتمل أن يكون المراد بفطره: يوم موته فإِنَّ المؤمن صام عن لذاته المحرمة طول عمره، فدهره في ذلك يوم موته وفطره في آخره، وذلك حين فرحه بما يرى مما أعدَّ الله له من الكرامات، وإذا لقي الله تعالى فجزاه فرح.
( والذي نفس محمد بيده ) أي بقدرته وإرادته ( لخلوف فم الصائم ) بضم الخاء أي تغيُر ريحه لخلو المعدة عن الطعام، ( أطيب عند الله ) وذلك يوم القيامة كما في خبر مسلم أو الدنيا كما يدل عليه خبرٌ آخر، ولا مانع من إرادتهما ( من ريح المسك ) قَالَ البيضاوي: هذا تفضيلٌ لما يُستَكْرَه من الصائم على أطيب مَا يُستَلَذُ من جنسه وهو المسك ليُقاس عليه مَا فوقه من آثار الصَّوْم ونتائجه، وقَالَ غيره: خصَه لأنهم يؤثرونه على غيره وهو استعارة لجريان عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا فاستعير ذلك لتقريبه من الله تعالى، وفي تعليق القاضي: إن للأعمال ريحاً تفوح يوم القيامة، فريح الصَّوْم منها كالمسك.
رواه مسلم وهذا لفظه، وروى نحوه أحمد والنسائي وابن ماجه.
شرح الحديث
قَالَ الإمَامُ ابن حجر في فتح الباري ( مُختَصَرَاً ):
قوله: (الصيام لي وأنا أجزي به) أي سبب كونه لي أنه يترك شهوته لأجلي.
ولقد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى " الصيام لي وأنا أجزي به " مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها على أقوالٍ:
منها أن الصَّوْم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، فأعمال البر كلها لله، وهو الذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنه إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم بفعله وإنما هو شيء في القلب.
ومنها أن المراد بقوله " وأنا أجزي به " أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس.
وقَالَ القرطبي: معناه أن الأعمال قد كُشِفَت مقادير ثوابها للناس، وأنها تُضَاعَف من عشرة إلى سبعمائة إلى مَا شاء الله، إلا الصيام فإِنَّ الله يُثِيبُ عليه بغير تقدير.
ومنها معنى قوله: " الصَّوْم لي " أي أنه أحب العبادات إلي والمُقَدَم عندي.
وقَالَ القرطبي: معناه أن أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلا الصيام فإنه مناسب لصفة من صفات الحق، كأنه يقول إن الصائم يَتَقَرَّب إليَّ بأمرٍ هو مُتَعَلِق بصفة من صفاتي.
ومنها: إن سبب الإضافة إلى الله أن الصيام لم يُعبَد به غير الله، بخلاف الصلاة والصدقة والطواف ونحو ذلك.
ومنها: أن جميع العبادات تُوَفَى منها مظالم العباد إلا الصيام.
وقوله: (أطيب عند الله من ريح المسك) اختُلِفَ في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك، مع أنه سبحانه وتعالى مُنَزَّه عن استطابة الروائح، ومع أنه يعلم الشيء على مَا هو عليه، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي يقرُب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وقيل: المراد أن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك، وقيل: المراد أن الله تعالى يُجزيه في الآخرة، فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي المكلوم ورِيح جُرحِه تفوح مِسكاً.
حديث قدسي -4 قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم:
"الصِيَام جُنَّةٌ، وهو حِصْنٌ من حصونِ المؤمِن، وكلُ عملٍ لصاحبهِ إلا الصِيام، يقولُ الله: الصِيامُ لي، وأنا أجزيِ بهِ."
رواه الطبراني وقَالَ الألباني: حسن ( صحيح الجامع الصغير ).( صحيح الجامع: 3881 ).
شرح الحديث
قَالَ الإمَامُ المناوي في فيض القدير:
( الصيام جنة وهو حصن من حصون المؤمن وكل عمل لصاحبه إلا الصيام يقول الله الصيام لي ) أي هو خالصٌ لي، لا يطَلِع عليه غيري ( وأنا أجزي به ) صاحبه جزاءاً كثيراً، وأتولى الجزاء عليه بنفسي، فلا أكِله إلى مَلَكٍ مُقَرَّب ولا غيره لأنه سرٌ بيني وبين عبدي، لأنه لما كفَ نفسه عن شهواتها جُوزِيَ بتولِي الله سبحانه إحسانه.